|
الكاتب: علي بوحامد يوم 27 08 2011 على الساعة 20:47 |

لا ينكر عروبة الجزائر إلا جاحد ولا يشكك في أصالتها إلا منافق، ولكن واجب التحليل والتشريح لا يجب أن يتجاوز هذه الحقائق ولا أن يتوارى خلفها ليهرب إلى الأمام ويرمي بهذا الواجب ليتلاعب به المتلاعبون ويعبث به العابثون.
كثيرا ما ينتقدنا إخواننا العرب بإهمالنا للغة العربية وعدم استعمالها في حديثنا على المستوى الرسمي وحتى على المستوى الشعبي- ولهم الحق في ذلك إلى حد ما – نظرا لما يلاحظونه ويشاهدونه حين الاستماع إلينا أو الحديث معنا، وواقع الحال يضع عدة نقاط استفهام ويطرح عديد التساؤلات في هذا الصدد؛ ولكن حين وضع كل الأوراق على الطاولة وتبيان كل الملابسات تتضح الرؤية وتتلاشى كل هذه التساؤلات.
كما يعرف العام والخاص فقد عاشت الجزائر طوال قرن واثنتين و ثلاثين سنة تحت نير وظلم الإستدمار وعانت من كل أشكال التجهيل والمسخ الهوياتي حيث كانت سلطات الاحتلال تغلق كل المدارس التي تعلّم اللغة العربية أو تعلم بها ووصلت حتى إلى الجوامع والكتاتيب وضيقت عليها أيما تضييق فازدادت نسبة الأمية بل وتضاعفت؛ وكما يذكر المؤرخون كانت نسبة الأمية قبل دخول المستدمر الفرنسي تكاد تكون منعدمة. وبالرغم من كل جهود الجزائريين والحركات الإصلاحية التي كانت تكافح من أجل ضمان تعليم معرب وفتح المدارس العربية؛ كالجهود الرائدة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والتي ساهمت في إبقاء الشعب الجزائري قريبا من هويته وعروبته وحاربت كل أشكال فرنسة الجزائريين وسلخهم من جزائريتهم وعروبتهم وإسلامهم وقد كان العلامة الإمام عبد الحميد بن باديس وكل الجزائريين الأصلاء شوكة في حلق الإستدمار الفرنسي فقد كان الشيخ العلامة يردد دائما:
*شعب الجزائر مسلم وإلى العــروبة ينتسب*
و لكن في الميدان لم تكن الأرقام متوازنة بين عدد المدارس والكتاتيب التي تعلم اللغة العربية وبين عدد المدارس التي تعلّم باللغة الفرنسية؛ مع العلم أنها لم تمس كل أنحاء الجزائر بشكل متوازن وبطبيعة الحال ونظرا لضرورات المرحلة كان الجزائريون مجبرين على الانتماء إلى المدارس الفرنسية حتى يتعلموا ويجابهوا الإستعمار بلغته ولا تتحقق أمانيه بالتجهيل الممنهج الذي كان يرمي إليه.
وفي هذه الظروف استفاد الجزائريون من هذا التعليم الفرنسي ولكن لم يذوبوا في الهوية الفرنسية أبدا وكثيرا ما حاول المعلمون والأساتذة الفرنسيون تمرير رسائل مشفرة لإدماج التلاميذ المتمدرسين في نهج فرنسة الجزائريين ولكن كان هؤلاء التلاميذ الصغار في أعمارهم والكبار في تفكيرهم وهمومهم يرفضون هذه الرسائل الدنيئة ويجابهون هؤلاء المعلمين بردود أدهشتهم وخلخلت ثقتهم بما يقومون به محاولين إدماج الجزائريين منذ الصغر في منظومة الفرنسة والتفرنيس؟
كما أنه وعلى المستوى الاجتماعي الشعبي كانت لغة الجزائريين تتأثر ببعض الكلمات الفرنسية الدخيلة ويضطر الجزائريون للتعامل بها في أحيان كثيرة لفهم لغة العدو أو استغلالها لقضاء بعض الحاجيات- فكما لا يخفى على أحد؛ فقد كانت كل المنظومات التشريعية والقضائية والتعليمية فرنسية وكل الوثائق وكذلك العملة فرنسية - أو التمويه في الرد على أسئلة الجنود المحتلين في التمويه على المجاهدين والمسبلين والفدائيين، لأنه يجب أن يدرك العام والخاص أن ما مر على الشعب الجزائري ليس بالهين ولا بالبسيط، فلو عاشت بعض الدول العربية مثل هكذا احتلال لما بقي واحد من أفراد شعبها ينطق حرف الضاد، فليس الإستعمار الاستيطاني كالحمائي أو الانتدابي، وأغلب الدول الإفريقية المستعمرة سابقا تتعامل الآن بلغات مستعمريها كلغات رسمية ووطنية؛ وهذا وإن دل على شيء فإنما يدل على أصالة وعروبته وجلادة الشعب الجزائري ونضالاته المستميتة في سبيل الحفاظ على هويته وكينونته.
حقيقة أخرى يجب أن نعرفها أن الإستدمار الفرنسي لم تكن نشاطاته مركزة بنفس القدر بين الشمال والجنوب فكل ولايات الجنوب لم ولا تعاني أبدا من مشكلة العربية حيث عملت في تلك الفترة المدارس والكتاتيب في راحة وسعة أكبر نتيجة لطبيعة المناطق الصحراوية التي لم تكن تهم المستدمر بنفس القدر الذي تهمه المدن الشمالية سواء من حيث الطبيعة الجغرافية التي لم تكن تسمح للمجاهدين بالعمل المسلح بشكل مكثف وهذا لطبيعتها المسطحة والعارية من أي شكل من أشكال الحماية؛ أو من حيث نشاط النخب الجزائرية في الإصلاح أو التعبئة التي كانت تنشط أكثر في المدن الكبرى ومناطق الشمال بشكل عام؛ وهذا ما جعل كل فعاليات الإصلاح والتعريب في هذه المناطق الصحراوية تعطي ثمارها وتنتج جيلا معربا إلى أبعد الحدود.
و بطبيعة الحال وبعد استقلال الجزائر كانت أغلب النخبة الجزائرية على قلتها ذات تعليم فرنسي والعديد منهم أكمل دراسته في فرنسا ليكون منهم الأساتذة والأطباء والمهندسين، واجتهد النظام الجزائري الفتي في محاولة استدراك كل الفترات السابقة واستقدم العديد من المعلمين والأساتذة من مختلف الدول العربية لمساندة الأساتذة والمعلمين الجزائريين في إدماج التلاميذ والشباب الجزائريين في منظومة التعليم العربية.
و ليستبشر الجزائريون وكل من يحب لنا الخير أن ذلك الوضع لن يُسمَح له أن يتكرر فالكفاءات الجزائرية الآن معربة وبلسان فصيح تعبر عن نفسها، كما أن كل المدارس والجامعات تدرس باللغة العربية وتخرّج نخبا عربية حتى النخاع بل إن أغلب الطلبة الآن لا يتقنون اللغة الفرنسية أكثر مما يجيدون العربية وما حال بعض الرسميين الراهن إلا ظرفي ومؤقت نظرا لما تطرقنا إليه سابقا – وهم معذورون إلى حد بعيد- وكذلك اللهجة الجزائرية؛ الممزوجة بكلمات فرنسية غير سليمة لغويا أو نحويا في غالب الأحيان؛ مصيرها إلى الرجوع إلى اللهجة الجزائرية الأصيلة القريبة قربا كبيرا من الفصحى وإنما يتطلب هذا وقتا وتضافرا في الجهود من طرف المسؤولين وكل فعاليات المجتمع المدني لتكريس ثقافة التعريب.
وأكبر دليل على هذا الرجوع المبشر بالخير إلى العربية نجاح كفاءاتنا من صحفيين وإعلاميين على المستوى العربي فهم الآن من أكثرهم تميزا وإتقانا للعربية الفصحى؛ فليس هناك الآن لسان أفصح من ألسنة الجزائريين نطقا لمخارج الحروف الصحيحة وعدم امتزاجها باللهجة العامية وهذا بشهادة العرب أنفسهم، بل أصبح هذا المقياس دليلا للتعرف على أي صحفي أو إعلامي جزائري، لأن التعرف على معظم الإعلاميين العرب مثلا؛ يتم من خلال ملاحظة امتزاج مخارج حروفهم بلهجاتهم المحلية في غالب الأحيان بينما لا تجد هذا عند الجزائريين منهم وهذا أكبر دليل يدحض افتراءات كل المشككين في عروبتنا.
أما الحديث عن نظرية مؤامرة تحاك ضد عروبة الجزائر فلا توجد إلا في عقول العاجزين والمتقاعسين عن العمل، فلا يجدون مشجبا يعلقون عليه فشلهم إلا من خلالها، لأن الحديث عن هذه النظرية غالبا ما يرتبط بالفشل في إيجاد الحلول أو العجز عن إيجاد توصيف دقيق للمشكل إن كان هناك أصلا مشكل؛ كما أن هذه النظرية سوف لن تجد لها مكانا في واقعنا أو في أذهاننا إذا عرفنا كيف نتعامل مع معطيات هذا الواقع وأجدنا القيام بواجباتنا وتركنا ذلك المتآمر– إن وجد- يحسب لنا ألف حساب إذا خمن للحظة في الوقوف في وجوهنا.
لذا فطبيعة الظروف التي مرت بها الجزائر تشفع لها كثيرا في هذا المسار ولن يطول الزمن حتى تعود الجزائر قلعة من قلاع العروبة، ولكن سوف لن نخسر هذا المغنم باعتباره غنيمة حرب وسنهتم بتطوير وتعليم مختلف اللغات الأجنبية حتى نقترب أكثر من صناع العلم والمعرفة؛ وبالتوازي سنعزز اللغة العربية لنصنع بها حاضرنا ومستقبلنا ونتحول من مستهلكين للمعرفة إلى منتجين لها؛ ولن يكون هذا إلا بالالتفاف حول لغتنا الأم؛ فما تطورت حضارة وعلا شأنها في العالمين إلا بلغتها؛ بل أكثر من ذلك فتاريخ الحضارات يثبت أن عامل اللغة هو أكثر العوامل المتخذة علميا ومنهجيا في تقسيم وتمييز الحضارات إلى جانب الدين والذي تعد- في حضارتنا- اللغة العربية أحد أعمدته.
وللمتشائمين أعيد القول: شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب؛ من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب، وسوف تجدون إن شاء الله شباب وشابات الجزائر يتكلمون ويكتبون بلغة الخنساء وامرؤ القيس ولا يلتفتون للغة فولتير أو شكسبير إلا لضرورات التعلم والاستزادة من العلوم.
|
|
|






التعليقات
ما شاء الله عليك يا أستاذ علي
يوم 28 08 2011 على الساعة 04:27 — موساوي إسماعيلما شاء الله عليك يا أستاذ علي.. متميز دائما بمواضيعك الهادفة والمهمة. جعلك الله ذخرا لهذه الأمة وأبعد عنك أعين الحساد (والناغرين). ولا أخفي عليك أني أقرأ كل ما تكتبه من ألفه إلى يائه، بنهم واستمتاع واستفادة.
يرحم اللي قراك...
مشكووور جدا...وهذا إن دل على
يوم 28 08 2011 على الساعة 17:35 — علي بوحامدمشكووور جدا...وهذا إن دل على شيئ فإنما يدل على انك شخص مثقف ومحترم ..فقليلون هم من يتم بما يكتب هنا وهناك وكل يقرأ العنوان وكفى.. وتأكد أنني فخور بك وبكل ما تقدمه على الموقع...
أستاذي الكريم، لقد خففت عني و
يوم 02 11 2011 على الساعة 21:44 — salah ramiأستاذي الكريم، لقد خففت عني و عن أمثالي ثقلا يوازي في حجمه و كتلته و ضغطه و شدة ألمه وزن جبال الأرض و وزن ماء البحار مجتمعة. موضوع اللغة الأم مسألة هوية و كرامة و أنفة، و الأمر يستدعي منا الوقوف عنده و تحليله كما فعلت، و شرحه و تبيان ظروف و علة وجوده كما أسلفت، و عدم التوقف عن التنبيه الجيل الحالي و القادم (أطال الله عمرك) لأهمية الإهتمام باللغة العربية و استعمالها كتابة ونطقا و حديثا، و هو أمر ليس بالهين، لأنه يتوجب علينا الصبر و الشعور بقدسية الرسالة و الأمانة التي تقع على عاتق كل من تعلم و تمكن من علمه، و هو فرض عين، فكل من قام بإيصال المعلومة الصحيحة و أضاف لها ما يحميها ويطورها و سبقها بنية صادقة أثمرت جهوده بنجاح مسعاه و لو بعد حين.
شكرا يا أستاذ علي، و أفادنا الله و إياكم من علم أوله صلاح و عمل و آخره أجر و ثواب عند الواحد الجبار.